سيد قطب

1952

في ظلال القرآن

كل مجالات حياتها ، بكل جوانب هذه الحياة ، وبكل استجابات هذه الشخصية في هذه الجوانب وفي تلك المجالات . وتعرض أنواع الابتلاءات التي تعرضت لها تلك الشخصية الرئيسية في القصة ؛ وهي ابتلاءات متنوعة في طبيعتها وفي اتجاهاتها . . ابتلاءات الشدة وابتلاءات الرخاء . وابتلاءات الفتنة بالشهوة ، والفتنة بالسلطان . وابتلاءات الفتنة بالانفعالات والمشاعر البشرية تجاه شتى المواقف وشتى الشخصيات . . ويخرج العبد الصالح من هذه الابتلاءات والفتن كلها نقيا خالصا متجردا في وقفته الأخيرة ، متجها إلى ربه بذلك الدعاء المنيب الخاشع كما أسلفنا في نهاية الفقرة السابقة . وإلى جانب عرض الشخصية الرئيسية في القصة تعرض الشخصيات المحيطة بدرجات متفاوتة من التركيز . وفي مساحات متناسبة من رقعة العرض ، وعلى أبعاد متفاوتة من مركز الرؤية ، وفي أوضاع خاصة من الأضواء والظلال . . وتتعامل القصة مع النفس البشرية في واقعيتها الكاملة . متمثلة في نماذج متنوعة : نموذج يعقوب الوالد المحب الملهوف والنبي المطمئن الموصول . . ونموذج إخوة يوسف وهواتف الغيرة والحسد والحقد والمؤامرة والمناورة ، ومواجهة آثار الجريمة ، والضعف والحيرة أمام هذه المواجهة ، متميزا فيهم أحدهم بشخصية موحدة السمات في كل مراحل القصة ومواقفها . . ونموذج امرأة العزيز بكل غرائزها ورغائبها واندفاعاتها الأنثوية ، كما تصنعها وتوجهها البيئة المصرية الجاهلية في بلاط الملوك ، إلى جانب طابعها الشخصي الخاص الواضح في تصرفها وضوح انطباعات البيئة . . ونموذج النسوة من طبقة العلية في مصر الجاهلية ! والأضواء التي تلقيها على البيئة ، ومنطقها كما يتجلى في كلام النسوة عن امرأة العزيز وفتاها ، وفي إغرائهن كذلك ليوسف وتهديد امرأة العزيز له في مواجهتهن جميعا . وما وراء أستار القصور ودسائسها ومناوراتها ، كما يتجلى في سجن يوسف بصفة خاصة . . ونموذج « العزيز » وعليه ظلال طبقته وبيئته في مواجهة جرائم الشرف من خلال مجتمعه ! . . ونموذج « الملك » في خطفة يتوارى بعدها كما توارى العزيز في منطقة الظلال بعيدا عن منطقة الأضواء في مجال العرض المتناسق . . وتبرز الملامح البشرية واضحة صادقة بواقعية كاملة في هذا الحشد من الشخصيات والبيئات ، وهذا الحشد من المواقف والمشاهد ، وهذا الحشد من الحركات والمشاعر . . ومع استيفاء القصة لكل ملامح « الواقعية » السليمة المتكاملة وخصائصها في كل شخصية وفي كل موقف وفي كل خالجة . . فإنها تمثل النموذج الكامل لمنهج الإسلام في الأداء الفني للقصة ، ذلك الأداء الصادق ، الرائع بصدقه العميق وواقعيته السليمة . . المنهج الذي لا يهمل خلجة بشرية واقعية واحدة ، وفي الوقت ذاته لا ينشئ مستنقعا من الوحل يسميه « الواقعية » كالمستنقع الذي أنشأته « الواقعية » الغربية الجاهلية ! وقد ألمت القصة بألوان من الضعف البشري ؛ بما فيها لحظة الضعف الجنسي ، ودون أن تزوّر - أي تزوير - في تصوير النفس البشرية بواقعيتها الكاملة في هذه المواقف ، ودون أن تغفل أية لمحة حقيقية من لمحات النفس أو الموقف ، فإنها لم تسف قط لتنشئ ذلك المستنقع المقزز للفطرة السليمة ، ذلك الذي يسمونه في جاهلية القرن العشرين « الواقعية » أو يسمونه أخيرا « الطبيعية ! » . وظلت القصة صورة نظيفة للأداء الواقعي الكامل مع تنوع الشخصيات وتنوع المواقف : * إخوة يوسف . . والأحقاد الصغيرة في قلوبهم تكبر وتتضخم حتى تحجب عن ضمائرهم هول الجريمة وبشاعتها ونكارتها وضخامتها ! ثم تزين لهم « المحلل الشرعي ! » الذي يخرجون به من تلك الجريمة . . ملاحظا في هذا واقعيتهم في بيئتهم الدينية - وهم أولاد نبي اللّه يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليهم صلوات